تسوية تنهي حلم رئيس موريتانيا السابق بالعودة إلى السلطة

Image description
الجمعة 30 سبتمبر 2022 - 10:09 ملاك الهاشمي

غادر الرئيس الموريتاني السابق محمد ولد عبدالعزيز موريتانيا بعد عامين ونيف من المتابعات القضائية بتهمة تبديد ثروات البلاد واختلاس أموال عمومية.

واختار ولد عبدالعزيز فرنسا لإجراء فحوص طبية، في حين يرى معارضوه أن سبب إصراره على السفر للخارج بعد ثلاثة أيام من رفع المراقبة القضائية عنه يكمن في أنه يريد الاطمئنان على الأموال والممتلكات التي جمعها في الخارج بعد أن بدد ثروات البلاد، ويؤكدون أنه قد لا يعود في الفترة الحالية خشية تجدد المطالبات بمحاكمة.

ورفعت السلطات القضائية إجراءات المراقبة المشددة عن ولد عبدالعزيز الذي حكم البلاد من 2009 إلى 2019، بعد أن أمضى عامين ونصف العام رهن المتابعات القضائية في ما يعرف إعلامياً بـ"عشرية الفساد"، إذ اتهم تحقيق برلماني ولد عبدالعزيز وعشرات من وزراء ومسؤولي حكمه بالفساد المالي وغسل الأموال خلال السنوات الـ10 التي قضاها في السلطة، واعتمد القضاء على هذا التحقيق البرلماني لمحاكمته في سابقة هي الأولى من نوعها في البلاد.

تفاهمات مكنته من السفر

أثار حصول الرئيس السابق على حريته ووقف إجراءات محاكمته جدلاً واسعاً في موريتانيا، وسط تأكيدات عن صفقة سياسية يحصل بموجبها ولد عبدالعزيز على حريته في مقابل ابتعاده عن الميدان السياسي والتوقف عن التعليق عما يجري في الساحة السياسية.

وتزامن قرار وقف مقاضاة ولد عبدالعزيز الذي سبق أن وجهت له المحاكم تهمة الثراء غير المشروع وغسل الأموال، مع تنظيم الحوار الذي جمع للمرة الأولى في عهد الرئيس الحالي محمد ولد الغزواني بين أحزاب المولاة والمعارضة، إذ اتفقت الأحزاب في نهايته على مجموعة من الإجراءات لتنظيم الانتخابات التشريعية والمحلية والجهوية المقبلة.

كما أنه يأتي بعد فترة قصيرة من إجراء تعديل وزاري دخل على إثره كبار أعوان الرئيس السابق ولد عبدالعزيز الحكومة ومن بينهم رئيس وزرائه لسنوات عدة مولاي ولد محمد الأغظف، الذي عين أميناً عاماً للرئاسة، وهو منصب يوازي رئيس حكومة في موريتانيا.

يقول الباحث السياسي هارون ولد المختار إن "رفع الإجراءات الأمنية عن منزل الرئيس السابق، والسماح لأنصاره بالاحتفال العلني بذلك، وتسليمه جوازات سفره يؤكد أن هناك صفقة سياسية سمح على إثرها بوقف متابعة ولد عبدالعزيز في مقابل ابتعاده بشكل نهائي عن الحياة السياسية".

ويضيف أن بقاء ولد عبدالعزيز طوال الفترة الماضية في منزله من دون إعطاء أي تصريحات أو عقد اجتماعات ومؤتمرات صحافية كما اعتاد منذ خلافه مع الرئيس الحالي، يؤكد أن هناك تسويات ووساطات تمت من أجل طي صفحة هذا الملف.

ويوضح أنه "تمت المصالحة بين الرئيسين السابق والحالي اللذين كانا صديقين في الجيش منذ ما يزيد على 30 عاماً خلال اتصال هاتفي بينهما، كما تؤكد ذلك مجموعة من المصادر المقربة من القصر، إذ طلب ولد الغزواني بشكل مباشر من الرئيس السابق تفهم الوضع الجديد واستيعاب أنه أصبح خارج مركز صنع القرار، وهو ما قبله ولد عبدالعزيز في مقابل طي ملف محاكمته".

وقف إجراءات المحاكمة

في المقابل أثار وقف إجراءات محاكمة ولد عبدالعزيز المتهم في قضايا فساد مالي تقدر بالمليارات واستعادته حريته غضباً واسعاً في الشارع الموريتاني، وسط تحذيرات المراقبين من عواقب السماح لقوى الفساد بالانتصار على القانون وإرادة الشعب في بلد عانى تأثير عقود من الفساد المالي.

وفي هذا الصدد يقول الباحث السياسي محمد سعيد ولد سيدي إن "الرئيس السابق و13 آخرين من أركان نظامه بددوا أموالاً عمومية، وعلى مدى أكثر من 10 أعوام راكموا ثروات على حساب الشعب الفقير، وأي تنازل عن حق هذا الشعب سيأتي بنتائج عكسية، إذ سينتشر الفساد المالي على نطاق واسع، وستتم تغليب المصلحة الخاصة على الوطنية، وأي استهداف لسياسي تورط مستقبلاً في قضايا فساد ستجري مقارنته بما حصل مع الرئيس السابق".

ويضيف أن طي ملف "فساد العشرية" بهذه الطريقة جعل الحالمين بالتغيير والمطالبين باسترداد أموال الشعب يصابون بإحباط شديد، ما سيؤثر سلباً في إيمان بعضهم بقوة القانون ودولة المؤسسات.

ويشير إلى أن الادعاء الذي يروج له أنصار الرئيس السابق بأن قضية ولد عبدالعزيز استهداف واغتيال سياسي هو محاولة لإضفاء الطابع السياسي على ملف قضائي يتعلق بالفساد والاختلاس.

وأمضى ولد عبدالعزيز (66 سنة) أربعة أشهر معتقلاً في سجن انفرادي بعد أن ألقي به في السجن على خلفية اتهامه بالضلوع في ملفات فساد كبرى، ومدد حبسه بلا محاكمة مرات عدة.

وتدهورت صحة الرئيس السابق فجأة، إذ أجريت له عملية قسطرة في القلب والأوردة بعد إصابته برعاف ودوخة وحمى، ولدى خروجه من المستشفى فرض عليه القضاء مراقبة مشددة في منزله.

ووصل محمد ولد عبدالعزيز إلى السلطة في موريتانيا عبر انقلاب عسكري أبيض عام 2008 على الرئيس الراحل سيدي محمد ولد الشيخ عبدالله، ثم تخلى عن السلطة بعد الاتفاق على إجراء انتخابات رئاسية تمكن من الفوز بها عام 2009، وأعيد انتخابه في ولاية ثانية عام 2014، وحاول مراراً تغيير الدستور للسماح له بالترشح من جديد، لكن المعارضة وقفت ضد مسعاه.

وفي انتخابات 2019، دعم ولد عبدالعزيز صديقه ووزير دفاعه ورئيس الأركان آنذاك محمد ولد الغزواني للترشح للانتخابات، بهدف أن يعود ولد عبدالعزيز للترشح في الانتخابات الموالية 2024، وسلمه السلطة بعد أن فاز الغزواني بالانتخابات في أغسطس 2019.